نون والقلم

مجدي حلمي يكتب: أزمه الدراما وتحرك الحكومة

الحكومة التي تستجيب لاحتياجات الشعب تُعتبر أحد أهم عناصر الحكم الرشيد. إنها الأساس الذي يدفع المسؤولين إلى التحرك السريع لتلبية مطالب المواطنين والتفاعل مع آرائهم وشكاواهم واقتراحاتهم.

حكومة كهذه لا ينتظر فيها المسؤولون توجيهات من مستويات أعلى، بل يتحركون بمجرد معرفتهم بما يجري في الشارع وبين الناس. أما الحكومة التي يبدأ فيها أي تصريح رسمي أو بيان بعبارة «بناءً على توجيهات فلان»، فهذه إشارة على فقدانها أحد العناصر الجوهرية في إدارة موارد الدولة التي تتحمل مسؤوليتها.

أتناول هذا الموضوع بمناسبة ما أثاره الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا بشأن أزمة الدراما الرمضانية وما تتضمنه من عنف وما يشوه أخلاقيات المجتمع وقيمه. الرئيس دعا إلى تشكيل لجنة تضم علماء الاجتماع والنفس وخبراء الدراما لمناقشة المسألة. وبالفعل، بمجرد حديث الرئيس، تحركت الحكومة والأحزاب الموالية وشكلت لجانًا لمناقشة الأزمة، على الرغم من أن العديد من أعضاء هذه اللجان هم أنفسهم منتجون ومتسببون في تلك الظاهرة.

ما يثير الانتباه أن الأقلام والنقاد قد حذروا منذ سنوات من هذا النوع من الدراما، وطالبوا بأن تكون الأعمال الرمضانية خالية من مشاهد العنف والخمور والمخدرات والعلاقات غير السوية.

لقد كانت هناك دعوات متكررة لتقديم دراما تشجع القيم الإيجابية وتعزز الأخلاقيات العامة. بل إنني شخصيًا كتبت قبل عامين مقالًا طالبت فيه بوضع ميثاق شرف للدراما، يلتزم به المنتجون قبل أي طرف آخر في المنظومة. هذا الميثاق ليس لتقييد الإبداع، بل لضمان تقديم محتوى بنّاء يحقق التوازن بين حرية الإبداع ومعالجة القضايا المجتمعية بطريقة إيجابية وواعية.

لكن الحكومة تجاهلت هذه الدعوات والتحذيرات، ولم تلتفت حتى إلى أصوات النقاد وعدد من الفنانين. وما حدث هو أن الأعمال الدرامية استمرت في رسم صورة سلبية لمصر؛ تصوير البلاد كمكان يعمه الفساد والجريمة دون عقاب، ورسم رجال الأعمال كمفسدين، والصعيد كمركز لتجار السلاح والمخدرات. بل وتحولت الدراما إلى تعبير مبالغ فيه عن مظاهر الشر، وكأن الشرطة ومؤسسات الدولة آخر من يعلم.

الحكومة لم تتحرك، ولا حتى المؤسسات الإعلامية الكبرى أو النقابات الفنية وغرف الإنتاج السينمائي والدرامي تدخلت بشكل جاد. بدلاً من ذلك، اكتفت بزيادة رسوم التصوير في الشوارع إلى أرقام خيالية دفعت العديد من المنتجين للتصوير خارج مصر، رغم أن الأعمال تُصنَّف كدراما مصرية بامتياز.

لو قامت الحكومة منذ البداية بدعوة جميع الأطراف المعنيّة بالإنتاج الفني ووضع ميثاق شرف أخلاقي يضمن توازن المحتوى بين توجيه الرسائل الإيجابية للمجتمع وحرية الإبداع، لكانت قد حققت خطوة كبيرة نحو حماية القيم المجتمعية من الانهيار.

الحد من تصاعد مشاهد العنف والمخدرات والخمور في الدراما الرمضانية فقط كان سيكون إنجازًا معتبرًا. ولكن بدلاً من ذلك، ظلت الحكومة صامتة إلى أن أدرك الرئيس خطر هذه الظاهرة ووجه بمعالجتها. وحينها، بدأت الهيئات الحكومية والأحزاب والنقابات في التحرك سريعًا لإظهار الاستجابة أمام الرئيس فقط، وليس كمبادرة نابعة من المسؤولية الذاتية.

للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى