غسان الحبال يكتب: قراءة في رواية «تغريبة وطن» للاديب اللبناني محمد العزير 

0

ترددت كثيرا في الكتابة حول رواية «تغريبة وطن» للصديق والزميل محمد العزير، ذلك أن تاريخ الصداقة والزمالة المهنية التي تربط بيننا يعود إلى العام 1981، و37 عاما تعتبر أكثر من كافية لبناء عاطفة تجاه الآخر تحيد به عن الموضوعية فتصبح شهادته بالآخر مجروحة، لكنني حسمت أمري بالكتابة حين قرأت الرواية مرة ثانية، أدركت خلالها أنني أقرأ لصحافي يؤمن بالصدق وينحاز للحقيقة بقدر ما يمتلك مخيلة الروائي.

و«تغريبة وطن» رواية صدرت حديثا عن دار الفارابي في بيروت، وتضم 27 فصلا، في ٣٠٠ صفحة، تعرض للسيرة الاغترابية لـ«هدى المندور» المهاجرةً اللبنانية التي تركت قريتها البقاعية (عين التوت) الى بيروت قبل ان يحط بها الرحال في ديترويت الأميركية (ولاية ميشيغان) في مطلع سبعينات القرن الماضي.

في الفصل الأول، وتحت عنوان «الوداع» نرى بطلة الرواية هدى في مطار «ديترويت» ترافق جثمان ابنها الأصغر «ربيع إليوت» على الطائرة المتوجهة إلى لبنان، أما الفصل الأخير وعنوانه «الهاتف» فيروي وقائع ابلاغ الشرطة إلى هدى بحادثة مصرع ابنها بطلق ناري انطلق خطأ من بندقية حربية كان يتدرب على الرماية بها.

وما بين الفصلين الأول والاخير نتعرف أكثر على «هدى المندور» التي وجدت نفسها في ديترويت وسط بيئة إغترابية ليست غريبة عليها بعاداتها وتقاليدها، لكنها سرعان ما تكتشف في هذه البيئة جديدا يشي بالحرية التي دفعتها للانطلاق وتكوين صداقات شجعتها على إكمال تعليمها الجامعي، وأتاحت لها العثور على أكثر من فرصة عمل، كما فعل أيضا، وبتشجيع منها، زوجها حاتم.

ومنذ الفصل الثاني يصبح القارئ بفضوله أسير شخصية هدى، فينسى او بالأحرى يتناسى قصة وفاة ابنها والجثمان الذي كانت في صدد نقله ليدفن في لبنان، حيث يفتح الكاتب من خلال بطلة روايته، على شخصيات تثير بتجاربها فضول القارئ وتغذي معارفه حول نمط حياة المغتربين اللبنانيين في بلاد المهجر وتطورها كجالية لها خصوصياتها، وينجح في استدراج القارئ لمعايشة هذه التجارب الاغتراببة فيشعر وكأنه عايشها في ميشيغان، بعد ان عاش فعليا تفاصيل أكثر من حرب ومعركة في وطنه الأم الذي لم يغادره قط، وهو عايشها إلى جانب شخصيات الرواية في قرية «عين التوت».

وهكذا يتعرف القارئ من خلال «هدى المندور» إلى شخصيات «تغريبة وطن» حين يخوض الزميل العزير، بأسلوب روائي مشوق لا يخلو من الإثارة، في تجارب التحدي  الحياتية والاجتماعية لشخصياته في مواجهة رغباتهم الجسدية والتقاليد التي نشأوا عليها، فها هي هدى التي خضعت لزواج تقليدي من قريبها حاتم، تعود لتتمرد على نفسها وتخضع لرغبات هواها وعشقها وتستلم لرغبات جسدها، فيما إلهام جارتها التي كسر زنى المحارم روحها ومشاعرها تتغلب على معاناتها وعقدتها فتزوج وتنجب ولدا.

أما شفيق الذي كان يعاني الوحدة والانطواء وعدم الاندماج في وطنه بسبب مثليته الجنسية، فقد ساعده الانتقال إلى البيئة الجديدة على استعادة حياته الطبيعية من دون تردد أو خوف.

ويحضر «هيثم» في الرواية، شابا جميل الروح، جذابا وجريئا، متفلت من قيود عائلته التي كانت تعيش في أوروبا، ومنتقلا إلى أميركا ليشق فيها مستقبله المهني، وليشكل ببراعة، تجربة عشق روحي وجسدي استسلمت لها «هدى المندور» قبل أن تعود للتمكن من نفسها متمسكة بالجانب الروحي من علاقتها بهيثم.

وخلال ذلك يمكن للقارئ ان يستشف محاولة الراوي توظيف سير وتجارب هدى وإلهام وشفيق وهيثم وحاتم، ليروي من خلالها بانسياب كامل، بعضا من تجاربه الشخصية في الغربة، فضلا عن التفاصيل الحدثية المفصلية في تاريخ لبنان الحديث، التي يسوقها الكاتب بأسلوبه الصحافي المتمكن.

يبقى أن الزميل محمد العزير تمكن في أولى أعماله الروائية «تغريبة وطن» من ان يختط لنفسه أسلوبا روائيا فريدا، في تجربة رائدة وقابلة للتطور والارتقاء، تجربة تجنح ببراعة وجاذبية نحو اللغة الروائية بما تشتمل عليه من دقة الوصف وجمال العبارات وسحر التلميحات وسلاسة العرض، وعبر تزاوج سلس بين الاسلوب الصحفي الذي يمتاز الكاتب به والنزعة الروائية القادرة على صياغة اسلوب روائي خاص به.

 خبير اعلامي لبناني

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...