عبد العزيز النحاس يكتب: ثورة 19.. ومدنية الأمة

يعتقد البعض أن ثورة 19 كانت مجرد انتفاضة شعبية مصرية فى مواجهة قوات الاحتلال الإنجليزى للحصول على الاستقلال.. والحقيقة أن هذه الثورة كانت أهدافها أكبر من الحصول على الاستقلال فقط، وكانت بمثابة استعادة مشروع النهضة المصرية الكبرى التى بدأها محمد على فى 1805 وتلاشى كل الأخطاء السابقة من خلال استنهاض همم الشعب المصرى وتوحيد صفوف قيادات الحركة الوطنية المصرية، واستكمال ما بدأه الزعماء الوطنيون أمثال أحمد عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد وغيرهم.

وكانت عبقرية الزعيم سعد زغلول فى ادخال الشعب المصرى فى المعادلة السياسية واستخدام قوة الجماهير في تحقيق أحلام وطموحات الأمة وبدأ بعملية التمصير فى شتى المجالات وتوحيد عنصرى الأمة لاستنهاض الشعور الوطنى.. حتى دانت له لحظة الصدام مع بريطانيا وانفجار شرارة الثورة فى شتى أرجاء الوطن.. وبالتوازى مع ضغط قوة الجماهير ووجود نخبة وطنية تعمل فى شتى المجالات لتغيير الواقع المصرى جاء اعتراف الإنجليز بمصر دولة مستقلة ذات سيادة، وبدأت لجنة برئاسة حسين ر شدى لاعداد مشروع دستور جديد للبلاد وحزمة من القوانين للاعداد للانتخابات الجديدة فى البلاد.

وجاء دستور 23 ليؤسس لمرحلة جديدة فى عمر مصر، يأتى على رأسها سيادة الأمة ونصت هذه المادة على أن جميع السلطات مصدرها الأمة والتشريع مصدره البرلمان، ورسخ دستور 23 لدولة المواطنة عندما أكد على المساواة بين جميع المصريين أمام القانون، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية وتولى الوظائف بدون تمييز بسبب الأصل أو اللغة أو الدين، كما رسخ للحريات العامة بدءاً من الحرية الشخصية وحرية الرأى والاعتقاد وحرية الصحافة وتكوين الجمعيات والأحزاب والاجتماعات وحرمة المنازل والملكية، كما أقر الفصل بين السلطة التشريعية والتنفيذية، وأعطى للبرلمان الحق في سحب الثقة من الحكومة.

وجاء تشكيل البرلمان من مجلسين وهما مجلس النواب الذى كان يتشكل بالانتخاب المباشر من المواطنين فى دوائر المديريات بالقطر المصرى.. أما مجلس الشيوخ فكان الملك يعين خمسي أعضائه ويتم انتخاب باقى الأعضاء، وأجريت أول انتخابات على أساس دستور «23» بداية عام 1924 وفاز الوفد فيها برئاسة زعيم الأمة سعد زغلول باكتساح وتم افتتاح جلسة هذا البرلمان فى مارس 1924 ووقف أمامه الملك فؤاد يؤدى قسم اليمين الدستورية، كما ألقى سعد زغلول رئيس الوزراء أول خطاب أمام المجلس وسميت هذه الوزارة بحكومة الشعب.

من هنا بدأت مرحلة جديدة فى حياة الأمة المصرية بهويتها الليبرالية الجديدة من خلال دستور حدد قواعد وأركان الدولة المدنية الحديثة، الأمر الذى شكل بنية فكرية وثقافية للمجتمع المصرى تجلت فى شتى النواحى السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وبرزت أسماء سياسية كبيرة مثل النقراشى وأحمد ماهر وغيرهما وسطع اسم طلعت حرب فى الاقتصاد ومصطفى مشرفة فى الفيزياء. والعقاد وطه حسين والحكيم ومحفوظ فى الأدب وقاسم أمين وهدى شعراوى ومحمود مختار ومحمود سعيد وأحمد شوقى والتابعى وروزاليوسف وسيد درويش وبيرم التونسى ويوسف وهبى وغيرهم الكثير والكثير وأصبحنا أمام أمة تشع بالثقافة والمدنية والتحضر.

نائب رئيس الوفد

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...