عبدالله السناوي يكتب: تجلّيات محمود درويش

لم يكن يشك أحد من الذين عانوا النزوح الإجباري من أراضيهم وبيوتهم تحت إرهاب السلاح ومذابحه الجماعية، أنه سوف يعود إليها بعد أيام وأسابيع.

أغلقوا الأبواب واحتفظوا بمفاتيحها:

«سوف نرجع عما قليل إلى بيتنا

عندما تفرغ الشاحنات حمولتها الزائدة!».

كانت نكبة عام (١٩٤٨) بأجوائها ونتائجها صدمة هائلة. «لا تكتب التاريخ شعراً، فالسلاح هو المؤرخ». بأبسط وأوضح المعاني وأكثرها عمقاً ونفاذاً في الضمير الإنساني صاغ «محمود درويش» تجربة أسرته في ديوان: «لماذا تركت الحصان وحيداً؟».

لم يكن بوسع الأسرة المشردة أن تجمع حاجياتها وتركت خلفها حصاناً ودجاجات في بيت تصورت أنها سوف تعود إليه.

نزحت مع من نزحوا من قرية «البروة» بالجليل إلى مخيم لاجئين في لبنان قبل أن تتسلل بعد نحو عام عائدة إلى الجليل، حيث عاشت في قرية أخرى بالقرب من بيتها القديم، الذي لم تعد إليه أبداً.

في كل بيت فلسطيني تجربة مماثلة غير أن موهبة الشعر أضفت على روايته ملحميتها وخلودها. من قلب المأساة الفلسطينية ولدت ظاهرة شعراء الأرض المحتلة، وكان هو علمها الأكبر.

بعد هزيمة (١٩٦٧) تبدت تلك الظاهرة أمام الرأي العام العربي كأنها أقرب إلى عوالم السحر في لحظة ألم عميق وشبه يأس.

كان ميلادها تعبيراً عن المخزون الإنساني والحضاري الفلسطيني وقدرته على الإبداع والإلهام في أحلك الظروف.

لم تنشأ من فراغ، ولا احتكرها شاعر واحد مهما بلغت قيمته.

بالتاريخ والسياق تبدت أسماء أخرى ذات شأن مثل «راشد حسين» و«فدوى طوقان» و«معين بسيسو» و«توفيق زياد».

كان الروائي والمناضل «غسان كنفاني» من موقعه في بيروت، أول منصة مسموعة أشارت إلى شعراء الأرض المحتلة، الذين بزغوا بعد نكسة «يونيو».

وكان الناقد الأدبي «رجاء النقاش» من موقعه في القاهرة أول من كتب عنها بتوسع، لفت الانتباه إليها ودعا لاحتضانها.

بوصف «محمود درويش» فإنه: «من علم أجنحتي الطيران».

عندما يجري الحديث عن ظاهرة شعراء الأرض المحتلة، فإن اسمي «محمود درويش» و«سميح القاسم» يتصدران الذاكرة، كأنهما توأمان ملتصقان، أو «شطرا برتقالة» كما عنونا مساجلات بينهما، وتجربة واحدة وشاهد واحد على العذاب الفلسطيني.

عالمهما تداخل بصورة مثيرة في روح القصيدة. ف«درويش» الذي كتب: «عابرون في كلام عابر» هو نفسه «سميح» الذي كتب: «كل سماء فوقكم جهنم.. وكل أرض تحتكم جنهم».

تجربة «درويش» أخذت زخمها من إطلالته على العالم، التي انعكست على بنية قصائده وروح التجديد فيها.

كان سفيراً فوق العادة للقضية الفلسطينية أمام الضمير الإنساني، فهو صوتها المسموع والمتحدث باسم عذاباتها، غير أنه حاول إلى أقصى طاقته إثبات أن شاعريته لا تلخصها أناشيد الحماسة.

طور قصائده من الغنائية إلى الرمزية ومن صخب التعبئة إلى عمق الفلسفة مستفيداً من إطلالته على العالم واتساع قراءاته وحواراته.

في تجربته اقترب من زعيم منظمة التحرير الفلسطينية «ياسر عرفات»، وكان الأقرب إلى قلبه.

أضفى بقصائده على الكفاح المسلح شرعيته الأخلاقية دون أن يحمله.

كانت قضيته، مع أبناء جيله من شعراء الأرض المحتلة، أن يقولوا للعالم: نحن هنا ولنا قضية، اغتصبت أرضنا وجرت جرائم وحشية ضد الإنسانية، ونحن نستحق الحياة.

كتب بأسلوبه النثري الرفيع، الذي يضاهي شعره رفعة وتأثيراً، وثيقة الاستقلال الفلسطيني التي أعلنت في الجزائر بثمانينات القرن الماضي، وأثارت جدلاً وخلافاً عميقين قبل أن يقدم «عرفات» على توقيع اتفاقية «أوسلو».

شأن أي مبدع حقيقي؛ فإنه لم يخذل شعره ولا قضيته كما يعتقد فيها.

«لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة، لكن عرشك نعشك

فاحمل النعش لكي تحفظ العرش، يا ملك الانتظار

إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار».

وقد كان..لا أدري كيف استقبل «عرفات» تلك القصيدة الأقرب إلى مرثية للقضية الفلسطينية، ولا كيف قرأ الأبيات التي قال فيها ابنه الروحي إن عرشه هو نعشه؟.

عندما قال الزعيم الفلسطيني بعد الوصول إليه بالسم: «بل شهيداً.. شهيداً.. شهيداً» ربما كانت في مخيلته هذه الأبيات. لعله أراد أن يرد: «لست هذا الرجل».

عندما مات قبل عشر سنوات إثر عملية جراحية في القلب كانت أمه «الست حورية» في الثالثة والتسعين من عمرها.«وأعشق عمري لأني إذا مت، أخجل من دمع أمي».

كان مسكونا بشيء ما غامض يقول له إنه سوف يموت قبل أمه.

«فأنا لا أريد من بلادي التي سقطت من زجاج القطار

غير منديل أمي وأسباب موت جديدة».

في قصيدة «خذني معك»، التي كتبها «القاسم» بعد رحيله:

«تسأل صارخة دون صوت وتسأل أين أخوك؟». «تزلزلني أمنا بالسؤال؟ فماذا أقول لها؟».

لم يكن ما أنشده «القاسم» تخيلاً شعرياً بقدر ما كان تجربة حقيقية عليها شهود وتسجيلات.

ضمته «حورية» إلى أحضانها وهو بين دموعها يرثي عمره.

طرحت أسئلة الفراق وأجابت عليها زجلاً وهو لا يدري ماذا يقول.

«قولوا لأمي الله يصبرها

وعلى فرقتي ما أقوى جبايرها».

«أنا أبكي على ابني ياللي فارقني

فارقني في ليل ما ودع فيه حدا».

كان ذلك مشهداً تراجيدياً يليق برحيل شاعر عظيم. فقد لاحق الشعر الدموع.

إن أي قراءة حقيقية في أعمال وأدوار الشاعر الفلسطيني الأكبر «محمود درويش» لابد أن تستوعب خبايا وتعقيدات علاقاته مع ثلاث شخصيات: الأم الشاهدة والتوأمان المناكف والزعيم المتناقض.

نقلا عن صحيفة الخليج

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...