عبدالعزيز النحاس يكتب: عيد الجهاد.. وميلاد تيار الحركة الوطنية

يأتي شهر نوفمبر من كل عام حاملًا معه ذكرى عطرة لأحد أعظم الأيام في تاريخ هذه الأمة وهو عيد الجهاد الوطني الذي يهل علينا يوم الأربعاء القادم.. ويأتي احتفال الوفد بذكرى عيد الجهاد هذا العام مختلفًا لأنها الذكرى الأولى بعد المائة ليوم له تاريخ، وكان سببًا في تغيير وجه الحياة في مصر والشرق بأثره، عندما قرر المصريون إعلان الجهاد في مواجهة أكبر إمبراطوريتين في هذا الوقت وهما الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية البريطانية، وذلك لإسقاط الولاية والحماية عن مصر في هذا الوقت. وتكللت جهودهم بالنجاح بعد رحلة كفاح كبيرة وحصول مصر على استقلالها في 28 فبراير عام 1922 وإسقاط الولاية العثمانية والحماية البريطانية عن مصر وتحولت إلى مملكة دستورية، وأصبح 13 نوفمبر من كل عام هو العيد القومي لمصر منذ عام 1922 وحتى عام 1952.

ربما لا يدرى كثيرون من الأجيال الحالية، إما لفراغ كتب التاريخ أو لسطحية وتجاهل وسائل الإعلام أن عيد الجهاد الوطني هو يوم من أعظم أيام هذه الأمة، وأنه لم يكن فقط سببًا في حصول مصر على استقلالها بعد إسقاط الولاية العثمانية والحماية البريطانية.. وإنما كان سببًا في تغيير وجه الحياة في مصر لأنه أرسى مبادئ وقيما جديدة ما زال يعيش عليها المجتمع حتى الآن، وكانت سببًا أساسيًا في حماية هذا المجتمع مؤخرًا ضد توجهات عودة الدولة الدينية التي سقطت بانتهاء الدولة العثمانية.. وربما لا يدرى البعض أيضًا أن عيد الجهاد الوطني شكل الجهاد الحقيقي لأنه كان جهادًا ضد المستعمر والمحتل والمغتصب، وكان في مواجهة الخارج لحماية الدولة الوطنية ومقدراتها وثرواتها، وهو الأمر الذي أنتج الحركة الوطنية المصرية التي أسست لدولة المواطنة والحريات العامة وتحرير المرأة وحقوق العمال وبناء الاقتصاد وعملية التمصير وغيرها من قواعد بناء الدولة الوطنية.

المفارقة أن عيد الجهاد تحل ذكراه هذا العام يوم الأربعاء وهو نفس اليوم الذي توجه فيه الزعيم سعد زغلول وعلى باشا شعراوي وعبدالعزيز باشا فهمي في الحادية عشرة صباحًا من يوم الأربعاء 1918 إلى دار المندوب السامي البريطاني السير ريجنالد وينجت عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى التي فاز فيها الحلفاء بقيادة بريطانيا العظمى لإعلان مطالب مصر.. حيث طالب سعد زغلول بإلغاء الأحكام العرفية وإنهاء مراقبة الصحف والمطبوعات التي ضاق بها المصريون، والسفر إلى لندن للسعي نحو تحقيق الاستقلال وكذلك مؤتمر فرنسا طبقًا للمبادئ التي أعلنها الرئيس الأمريكي ويلسون، وبعد نقاش حاد وطويل بين الزعماء الثلاثة والمندوب السامي الذي رفض الاعتراف بهم ممثلين عن الشعب المصري رغم أن الزعماء الثلاثة كانوا أعضاء منتخبين بالجمعية التشريعية (البرلمان المصري)، وكان سعد زغلول وكيلًا للجمعية التشريعية، بزعم أن الجمعية موقوفة بسبب الحرب وتحدث المندوب السامي البريطاني مع حسين رشدي باشا متسائلًا كيف لرجال ثلاثة يتحدثون باسم الأمة، وعلم سعد زغلول بالأمر، واجتمع مع رفيقيه للتشاور في أسلوب يثبت جدارتهم بتمثيل الأمة، واتفقوا على تشكيل هيئة تسمى الوفد المصري في إشارة إلى أنهم وفد مصر للمطالبة بالاستقلال على أن تحصل هذه الهيئة على توكيلات من الأمة للحديث باسمها، وبالفعل تبارى المصريون فى المنافسة على جمع التوكيلات التي وصل عددها في ثلاثة أسابيع أكثر من ثلاثة ملايين توكيل تمثل أغلبية الشعب المصري في هذا الوقت.

هنا اعتقدت بريطانيا أن أسلوب التفاوض مع المصريين لن يجدي ويجب التعامل معهم بالعنف، لذلك قررت سحب السير وينجت واستبداله بالجنرال اللنبي الذي قرر فور وصوله إلى مصر نفى سعد زغلول ورفاقه من زعماء الحركة الوطنية المصرية لتندلع شرارة ثورة 1919، من داخل جامعة القاهرة في العاشرة من صباح الأحد 9 مارس، ويخرج الطلبة من جامعة القاهرة إلى شارع قصر العيني لينضم إليهم طلبة الطب وتعم الثورة كل أرجاء مصر، وتضطر بريطانيا إلى إعادة الزعيم سعد زغلول وكل رفاقه إلى مصر لتهدئة الأوضاع والجلوس على طاولة المفاوضات لتحقيق مطالب المصريين التي بدأت بإلغاء التبعية للدولة العثمانية وانتهت بإلغاء الحماية البريطانية على مصر وإعلان استقلال مصر في 28 فبراير 1922 وإعلان أحمد فؤاد الأول ملكًا لمصر والسودان.

مؤكد أن تيار الحركة الوطنية المصرية ما كان لينجح ويحقق كل أهدافه لولا عبقرية سعد زغلول وإيمانه بنظرية قوة الجماهير وإدخاله الشعب المصري إلى المعادلة السياسية، وهى أهداف وأفكار بدأها منذ أن عمل قاضيًا 1892 ثم وزيرًا للمعارف عام 1906، ثم وزيرًا للحقانية ـ العدل ـ عام 1910 ثم عضوًا بالجمعية التشريعية عام 1912 ووكيلًا لها عام 1913، وذلك بهدف تعميق قيم الانتماء ومفاهيم المواطنة التي رسخها في كل مكان عمل به ومن خلال نشاطه الاجتماعي والسياسي، وكان يستغل كل سقطة أو حدث بريطاني يستفز مشاعر المصريين ويقابله بعمل آخر لتعميق الشعور الوطني من خلال عملية التمصير في شتى الاتجاهات إلى أن حانت لحظة المواجهة والكفاح التي أثمرت نتائج اجتماعية واقتصادية أكبر من النتائج السياسية، بعد أن أسست للدولة الوطنية الحديثة القائمة على المواطنة منذ الشرارة الأولى لمظاهرات ثورة 1919 وإعلاء شعار الدين لله والوطن للجميع والمساواة وتحرير المرأة المصرية وحصولها على حقوقها السياسية والاجتماعية، ووضع لبنات وقواعد اقتصاد وطني يقوده طلعت باشا حرب بعد النداء الشهير لسعد زغلول لكل أثرياء مصر بسحب أموالهم من البنوك الإنجليزية وشراء صكوك بنك مصر والانتهاء بوضع دستور 1923 الذي أسس لحياة سياسية قائمة على التعددية وترسيخ الحريات العامة وحرية الصحافة وحقوق العمال وغيرها من المبادئ التي شكلت هوية هذا المجتمع وترسخت فيه على مدار قرن من الزمان وما زلت تشكل حائط الصد المنيع ضد كل أشكال الغزو الثقافي والفكري أو الديني، وما يسمى بحروب الجيل الرابع التي تعتمد على هدم الدول من داخلها.. حمى الله مصر ورحم زعماءها وقادة حركتها الوطنية وشهداءها الأبرار.

نائب رئيس الوفد

للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا   
   tF   اشترك في حسابنا على فيسبوك  وتويتر لمتابعة أهم الأخبار العربية والدولية
تعليقات الفيس بوك
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...