عبدالعزيز النحاس يكتب: حياة كريمة وعودة القرية

في الوقت الذي تحركت فيه الحكومة ومنظمات المجتمع المدني في معظم محافظات الجمهورية بسياراتهم وقوافلهم الخيرية لمساعدة أهل الريف تحقيقاً للمبادرة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسى « حياة كريمة»، لمساعدة الأسر الأكثر احتياجاً في قرى الصعيد والدلتا.. كان هناك من يصر على تعميق معاناة شريحة أخرى من المصريين أصرت على الحياة ومواجهة أصعب الأمراض داخل المعهد القومي للأورام بشارع قصر العيني ولم يدرِ هذا الجبان أن العمل الخسيس والانفجار الذي راح ضحيته 20مصاباً بالسرطان وأصاب عدداً  كبيراً من أسرهم وجميعهم من الشريحة الفقيرة التي جاءت من الريف والصعيد أملاً في المساعدة وانتهاء معاناتهم، كان هو نفسه سبباً في وقف معاناة المرضى.. وفي المقابل كان سبباً في وحدة المصريين وإصرارهم على مساعدة هذه الشريحة واستكمال بناء وطنهم الذي لا يعرف الانكسار أو الهزيمة.

مبادرة حياة كريمة.. جاءت في الوقت المناسب، خاصة بعد إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن زيادة معدل الفقر في مصر وصلت إلى «32.5٪» وهى من المؤكد شريحة كبيرة تصل إلى ثلث سكان مصر ومعظمها في قرى الأقاليم والمناطق العشوائية، وارتفاعها إلى هذا الحد كان بسبب الأحداث التي مرت بها مصر منذ عام «2011» إضافة إلى برنامج الإصلاح الاقتصادي وأيضاً نتيجة لتهميش هذه الطبقة لسنوات طويلة من معظم قرى مصر.. ومع أن هذه النسبة تحتاج إلى تدخل الحكومة من منطلق مسئوليتها السياسية والأدبية.. إلا أنها تحتاج أيضاً إلى المشاركة المجتمعية من كل المنظمات الأهلية وأصحاب رؤوس الأموال خاصة وأن هذه الظاهرة لها تأثيراتها السلبية على المجتمع بشكل عام وسبب من أسباب التطرف والإرهاب والفوضى والبلطجة والإدمان، كما أنها سبب من أسباب الزيادة السكانية بسبب انتشار الأمية وسط هذه الشريحة.

صحيح أن مبادرة الرئيس لاقت تحركاً سريعاً من أجهزة الحكومة وتحركت كثير من القوافل الطبية لوزارة الصحة، وبدأت وزارة التضامن الاجتماعي مع عدد من الوزارات والمؤسسات في حصر الأسر الأكثر فقراً والمشاكل التي تواجهها من مياه شرب وسكن ومشاكل صرف صحي وغيرها من خلال استمارة أحوال الأسر المعيشية للبدء في مواجهة هذه المشاكل وحلها من خلال المقررات المالية التي رصدتها الدولة وتزيد في المرحلة الأولى على مليار جنيه لتطوير ما يزيد على «277» قرية، ثم تأتى المرحلة التالية بإعداد مشروعات تنموية في حوالي «100» قرية أخرى، وجميعها تأتى في إطار مواجهة ومحاصرة ظاهرة الفقر التي ضربت القرية المصرية والمواطن المصري.

مؤكد أن انطلاق المبادرة في حد ذاته أمر جيد رغم تواضع أعداد القرى، خاصة وأن مصر بها حوالي «5» آلاف قرية وعدد من المناطق العشوائية الملحقة بالمدن الكبرى وعواصم بعض المحافظات وتحتاج إلى وقت وجهد واعتمادات مالية ضخمة تصل إلى مئات المليارات.. وحتى نقف على أسباب استفحال هذه المشكلة علينا أن نعود إلى الخلف عدة عقود عندما كانت القرية المصرية منتجة وأحد مصادر الدخل القومي المصري وذاع صيتها عالمياً من خلال إنتاج أجود الأقطان في العالم  وهو القطن طويل التيلة، كما أنها كانت أهم وسائل الإنتاج الحيواني، كانت تحقق لمصر الاكتفاء الذاتي من اللحوم والخضراوات والفاكهة.. وفوق كل هذا كانت القرية المصرية تحقق الاكتفاء الذاتي لنفسها إنتاجاً واستهلاكاً وكانت تضيف إلى الدولة المصرية اقتصادياً، ولم تشكل أعباء اقتصادية تذكر على الدولة وتراجعت شيئاً فشيئاً حتى صارت عبئاً ثقيلاً على ميزانية الدولة وبرامجها التنموية.

حياة كريمة لا يجب أن تتوقف عند حد المساعدات من الحكومة والمجتمع المدني ويجب أن تتحول إلى برنامج تنموي يعيد القرية المصرية إلى سابق عهدها قرية منتجة جاذبة لأبنائها وليست طاردة.. قرية يتمتع فيها المواطن بالخدمات وبفرص العمل، وليس شرطاً من خلال مجال الزراعة الذي تضاءلت فيه الفرص لأسباب كثيرة يأتي على رأسها انحصار الرقعة الزراعية وتلاشيها.. ولكن هناك مشروعات كثيرة تناسب القرية المصرية وتعيدها إلى الإنتاج ومنها مشروعات الثروة الحيوانية سواء مشروع البتلو أو مشروعات التسمين ومشروعات الدواجن والأرانب وجميعها تحتاج إلى تدخل حكومي وتنظيم ودعم مالي وإداري وإزالة المعوقات التي تفرضها الأجهزة المحلية.. أيضاً يمكن تحويل القرية المصرية إلى حاضنة للمشروعات الصغيرة التي تجذب المرأة في الريف المصري وتحولها إلى قوة فاعلة ومنتجة على غرار ما حدث في كثير من دول جنوب شرق آسيا بحيث يحقق الريف المصري الاكتفاء الذاتي كمرحلة أولى، ثم يعود للمساهمة في دعم الاقتصاد الوطني.

نائب رئيس الوفد

للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...
Share This