عبدالعزيز النحاس يكتب: البناء السياسي.. والتحول نحو الدولة الحديثة

0
التعددية السياسية تعد ركناً أساسياً في  بنيان الدولة المدنية الحديثة القائمة على كافة القواعد الديمقراطية كأحد الأسس والركائز التي تنهض عليها حداثة الدول.

وحتى تكون هناك تعددية سياسية فلا بديل عن وجود أحزاب سياسية حقيقية تدرك أسس وأهداف ومحتوى وجودها كتنظيم سياسي يضم مجموعة من الأفراد لديهم رؤى وأفكار مشتركة، ويسعون إلى  تحقيق مصلحة وطنية عامة من خلال التنافس السياسي للوصول إلى  مقاعد السلطة، وهو أمر يستدعى وجود أحزاب حقيقية ذات هيكل تنظيمي يجمع بين أعضائه، إضافة إلى  جهاز إداري معاون وموارد مالية قادرة على تحقيق أهدافه من حيث الانتشار وتحقيق أنشطته المختلفة.

وكلنا يعلم أن التجربة الحزبية في مصر مرت بتجارب متعددة ما بين النشاط والتوقف والركود.. فمنذ نشأة الوفد عام 1918 واحتوائه لكل رموز الحركة الوطنية المصرية لمجابهة الاحتلال البريطاني، شهدت الحياة السياسية في  مصر تجربة سياسية رائدة، والتي عرفت بالحقبة الليبرالية وحققت  خلالها مصر قفزات سياسية واقتصادية وثقافية وفنية هائلة من خلال دستور 1923 الذي أسس لدولة المواطنة، وساوى بين كل المصريين وأعطى للمرأة  حقوقها السياسية والحريات العامة، وجاءت الثمار سريعة في  اقتصاد وطني قوى وتفجرت الإبداعات في  مجالات الثقافة والفن والأدب وغيرها إلى  أن انتهت هذه الحقبة في  1952 بعد إلغاء التعددية السياسية والأحزاب.

بعد انتصار حرب أكتوبر المجيدة قرر الرئيس أنور السادات التوجه إلى الغرب وإضفاء مسحة من الديمقراطية على البلاد، بهدف الاندماج في  المعسكر الغربي، والتحول نحو الاقتصاد الحر وإعادة العمل الحزبي من خلال تجربة المنابر السياسية التي جاءت ضعيفة كونها تحولت من النظام الشمولي أيام عبد الناصر إلى  نظام الحزب الواحد الذي يشكله الرئيس ويتحكم في  كل حركته، وبعد رحيل الرئيس السادات عادت بعض الأحزاب السياسية في  عهد الرئيس مبارك بصورة شكلية بعد تكبيلها سواء بالقوانين أو بواقع الحياة السياسية في  مصر التي استمرت في  عملية خلط الدولة ومؤسساتها وأجهزتها بالحزب الحاكم حتى بات كلاهما وجهين لعملة واحدة ويستحيل التفريق بينهما.

من هنا كان غياب التعددية السياسية الحقيقية سبباً أساسياً في  انفجار الشارع المصري بعد أن وصل العبث إلى  تشكيل مجلس الشعب بصورة هزلية ومنافسة الأجنحة داخل الحزب الوطني لبعضها على الغلبة في  عدد أعضاء كليهما لتنتهي هذه المرحلة في  «25 يناير 2011» وترسيخ صورة ذهنية سيئة في  مصر عن الأحزاب السياسية والعمل السياسي، وأدت إلى  عجز الأحزاب عن ملاحقة الأحداث السريعة أو إقناع الشارع بأهميتها.. وكان من الطبيعي أن تملأ جماعة الإخوان المسلمين هذا الفراغ سواء باستخدام الشعارات الدينية داخل المساجد وكل  مؤسسات الدولة أو من خلال استخدام ذراعها الاقتصادية، وفتح خزائنها وخزائن الداعمين لها من خارج مصر حتى تتحول من «البديل المستحيل» إلى  بديل حقيقي بسبب عملية الفراغ السياسي وهشاشة النظام السياسي لفترة تجاوزت أكثر من ستين عاماً، وفوجئنا جميعاً بأن الإخوان أصبحت بديلاً للحزب الوطني برلماناً ورئاسة وحكومة.

إذن الأحزاب عانت كثيراً جراء الأنظمة الشمولية تارة والثقافة الشعبية تارة أخرى.. والآن وبعد أن استقرت الأمور سياسياً بعيداً عن الاستقطاب الديني واستطاع الرئيس عبد الفتاح السيسي من خلال الالتفاف الشعبي الكاسح حوله من إعادة بناء أركان الدولة المصرية، وانضباط معظم مؤسسات وأجهزة الدولة، إضافة إلى  عملية الإصلاح الاقتصادي، وعبور مصر عنق الزجاجة والانطلاق نحو بناء اقتصاد وطني قوى والعمل في  اتجاهات شتى.. أصبح واجباً إعادة النظر في  البناء السياسي المصري الحالي  باعتباره إحدى الركائز الأساسية في  بنيان الدولة المدنية الحديثة، ومن ثم احتلال الأحزاب السياسية مكانها الحقيقي في  المشاركة السياسية، وهذا لن يتأتى إلا من خلال قناعة حقيقية بأهمية دور الأحزاب وإطلاق طاقات كوادرها في  شتى المجالات وتغيير الصورة الذهنية السلبية من الأحزاب.. وأرى أن الفرصة باتت سانحة الآن أكثر من أي وقت مضى بسبب الاستحقاقات السياسية القادمة سواء كانت في  انتخابات مجلس الشيوخ أو المجالس المحلية ومجلس النواب القادم.

الآن ونحن بصدد إعداد قانون مباشرة الحقوق السياسية الجديد وعرضه على مجلس النواب المصري خلال دور الانعقاد للفصل التشريعي القادم والأخير يجب أن تنحاز الدولة بكل مؤسساتها إلى  بناء سياسي جديد قائم على التعددية السياسية والمشاركة الحزبية الفعالة وهذا يتأتى من خلال إجراء الانتخابات على أساس القوائم، وهو أمر يجعل الأحزاب تخرج من قوالبها الجامدة وتنطلق بأفكارها وبرامجها نحو الشارع المصري بالإضافة لقطع الطريق على تسرب أعضاء ومحبي الجماعة الإرهابية من العودة إلى  مؤسسات الدولة، والأهم من كل ذلك هو انحياز هذه الأحزاب بقوتها، وقواعدها الشعبية إلى  الدولة المصرية في  الداخل والخارج بغض النظر عن اتفاقها أو اختلافها مع برامج وسياسة السلطة التنفيذية، وهو أمر من المؤكد يسرع الخطى نحو التحول الديمقراطي والدولة المدنية الحديثة.

نائب رئيس الوفد

للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...
Share This