رائد برقاوي يكتب: سلطان.. قلب عاشق للثقافة

ما أجمل أن يكون الحاكم مثقفاً، ففي هذه الحالة يقدم صورة مختلفة للشخصيتين معاً، فهناك الحاكم القارئ المطلع والمتابع لمختلف أوجه النشاط الثقافي في الداخل والخارج، الذي يُدرك معنى الارتقاء بالذائقة الأدبية والجمالية للبشر، ويعرف قيمة التعليم والإعلام الهادف، وكل ما من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى التقدم، وهناك المثقف الذي يُتيح له موقعه القيادي، الفرصة كي يدعم الفعل الثقافي مادياً ومعنوياً.

تنطبق الصورة السابقة على صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، والأهم أنها صورة عربية إماراتية، تبعث على الفخر، ولكنها تدعو إلى التأمل والتفكير أيضاً. فالثقافة العربية اليوم، ليست بحاجة إلى دعم المؤسسات والهيئات والقطاعات المعنية وحسب وهو دعم مطلوب ولكنها بحاجة ماسة إلى دعم تراكمي قوي وممنهج ومخطط صادر من القلب، يرتكز إلى رؤية عقلية متكاملة من شخصيات بقيمة سلطان ومقامه، الذي لا يدّخر جهداً في تمكين الثقافة لتكون زاداً يومياً للعرب جميعاً.

الثقافة العربية اليوم تحتاج أيضاً أكثر من أي وقت مضى إلى من يقدّمها إلى العالم، إلى من يقول للآخرين: «نحن هنا»، إلى من يحاول قدر جهده، استعادة مكانتها المرموقة؛ تحتاج إلى من يحمل رسالة مؤداها: نحن العرب لدينا فنون وآداب وتراث، ونحتفي بالحياة، ونمد أيدينا إلى الجميع لنشاركهم أحلامهم وآمالهم؛ إنجازاتهم ومشكلاتهم، وهي الرسالة التي ينطق بها مشروع سلطان الثقافي.

وراء كل مفاصل هذا المشروع، رغبة في صناعة مكانة مرموقة لثقافتنا بين مختلف بلدان العالم. البداية كانت بذرة أيام الشارقة الثقافية التي تجولت في أوروبا وآسيا، لتعرض فنوننا وتراثنا في بقعة جغرافية امتدت من الصين إلى إسبانيا؛ الأمر الذي لفت انتباه كثير من القائمين على الثقافة في تلك البلدان، وخلق لديهم الرغبة في التعرف أكثر إلى ثقافتنا، فكانت الثمرة المتمثلة في دعوة مسارح عالمية عدة، لاستضافة عرض «النمرود»، من تأليف صاحب السمو حاكم الشارقة.

ومع الحضور المؤثر لسموه، في مختلف المحافل الثقافية الكبرى، جاء الحصاد في دعوة الشارقة لتكون ضيفاً مميزاً لمعرض باريس للكتاب في العام الماضي، وتوج كل ذلك باختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب، بعد أن قدمت ملفها دون «كلل أو ملل» تسع مرات متتالية، لتكون بذلك المدينة التاسعة عشرة التي تحظى بهذا اللقب في العالم.

يسافر سلطان إلى كل مكان وفي قلبه رسالة الثقافة العربية؛ حيث كانت صورة مختلفة تماماً، أن يشاهد العالم حاكماً مهموماً بالفكر والأدب والمسرح، يكتب ويناقش ويُحاور؛ يبني المكتبات والمعاهد، ويقيم المهرجانات ويمنح الجوائز، ويدعم الثقافة والمثقفين في الداخل والخارج؛ يتحدث بحب عن الثقافة بوصفها تلك المفردة الخلابة التي ترسخ التعاون بين البشر، وتُعطي الأولوية للمحبة والتفاهم والتسامح وتجاوز الخلاف والصراع.

يتجول سلطان في العالم، وفي إحدى يديه كتاب، وفي الأخرى رسالة سلام، وفي العقل هدف الانطلاق بثقافتنا إلى العالم، ووراء ذلك كله، قلب عاشق للمعرفة وللحياة في أسمى معانيهما.

ونحن في حضرة مشروع سلطان، نستمتع معه ببعض حصاد هذا المشروع الناجح، لا يمكن إلا أن نردد: «ما أجمل أن يكون الحاكم مثقفاً».

نقلا عن صحيفة الخليج

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...