د. سمير محمد أيوب يكتب: لا عزاء لأغبياء الأمة ولا لحمقاها 

عند التعرض لمسألة التغيير داخل أي مَوطِنٍ، كائنا ما كانت طبيعة البلد أو طبيعة التغيير، لا بد لتقليل الأخطاء المحتملة، من الاستدلال بكثافة المعلومات الصحيحة، لا بوسوسات الشياطين وظنون الأبالسة .

فإن كانت المخرجات المرجوة من التغيير، تلتقي مع الإمكانيات المتاحة في مساحة كبيرة، يكون الشروع صائبا أو في اتجاه الصواب، شرط عدم التمترس، وراء المسبقات من أفكار الكيد والحقد والانتقام، التي يختزنها اللاوعي الساذج، وهي تجتاحُ سلوك الذات المُتمنية أو الساعيةِ إلى التغيير .

سأضرب مثلا بما حدث في سوريا ، للتذكير بما يحدث الآن في لبنان وفي ليبيا وفي العراق وفي السودان، بادئا بحدوتة تشي مفاصلها بِجُلّ ما حَدَث، يقال أن قطريا وسعوديا ومعارضا سوريا، قد اتفقوا على تدمير سورية الوطن، وسرقتها كدولة. وفي غفلة من أمة العرب، كسروا أقفال الأمن الوطني والقومي لسوريا الدولة. اجتاحوا الوطن، وعاثوا فيه فسادا وإفسادا، بالتدمير والتقتيل الممنهج .

بالصبر الجميل الشجاع والمقاوم، استرد جل الشعب السوري، الكثير من عافيته وأمله، ومع فرض الجيش العربي السوري ومنظومات حلفاءه،  لسيادته على معظم الوطن السوري، لم يجد بين يديه، إلا فلولَ معارضةٍ محلية تقيم مع الدمار . هرب شيطانها الأكبر السعودي، وهرب إبليسها القطري، ومن تبعهم من قطاريز الشراكة والرعاية الصامتة. وعندما سُئل الإرهابي المحلي، عما فعل ويفعل بين الركام ، قال: كنا ثلاثة، عملنا سوية على تدمير مخطط لسورية . دمرنا الوطن وسرقناه . وزرعنا الوجع عميقا في ثنايا الدولة . وتقاسمنا الغنائم . أخذ الشيطان السعودي الأمن . والإبليس القطري أخذ الأمان ، وأنا طِلِعْلي الدمار .

أقول للمتحذلقين العدميين من مدرسة الكيفما كان: نعم، كانت وما تزال، حاجة السوريين للتغيير صادقة النوايا، سِلْمِية الأدوات، نبيلة المرجعيات . لكن المسألة الجوهرية هنا ودائما، ليست الحاجة فقط . بل دور المعرفة والعقل والاستدلال فيها . فهو الذي يحدد المواقيت والأدوات والحلفاء والأعداء، المسالة الجوهرية ليست في الرغبة الذاتية في التغيير، بل في جزئيات ما نود تغييره، وكيف ومتى وبِمَن ومع مَنْ ولِمَن . عبر سنوات عجاف طِوال، أُثْقِلَتْ سورية بمعارضاتٍ، من كل حدب وصوب، ومن كل لون وجنس، هَذَى جُلُّها وهَلْوَس، بركامٍ لَمْ يومئ، إلا إلى عبثِ أوهامٍ سقيمةٍ وأحقاد مذهبية واثنية دفينة . ناهيكم عن جشع لصوص المصالح العابرة والدائمة .

لأفهم ما حدث، قرأت منذ زمن طويل، الكثير في موروث التغيير وسِيَرِه . وتفحصت الكثير مما قيل، عن أسباب انتكاساته وخساراته، وما كَتَبَ عنه أئمته ووعاظه . وتابعت تخريفات وفتاوى الفضائيات، وهلوسات وهرطقات أصنامها، من ملتحين وحليقي شوارب . فوجدت أكثر من حقيقةٍ مُرَّةٍ، يتملص منها كهنة التغيير، وخاصة السفهاء منهم . لعل أبرزها، هو الغباء السياسي الفطري أو بالعمالة مُكْتَسب، في فهم معادلات الاختصام داخل الأوطان، والمكابشة، والارتطام أو الصراع .

فإن كُنتَ لا تعرف قدرات خصمك، وظروفه التاريخية، وامتداد تحالفاته، ونازلته وجوديا بالسلاح، اعتمادا على رأيٍ عامٍّ هُلامي، يَحشدُ بالظنِّ ومالِ السُّحت، الهتافات الرغائبية الشتامة، وإن كانت محلية أو إقليمية أو دولية، فأنت بالضرورة وبالتأكيد، أدنى كثيرا من الغباء .

ليس من العيب ولا من العجب، أن يختلف الناس، وأن يختصموا . ليس من العيب أو من الممنوع، أن تكون مُعارضا أو ساعيا للتغيير . ولكن ما ليس من حقك، أو من المسموح لك به، هو أن تفرض أجندة مرجعياتك أو حتى تخريفاتك، وكأن الأوطان أسواقَ عُكاظٍ مُعاصرة، للكذب والتجديف والتخريف .

من يريد الاستقامة على نهج التغيير ومعارجه، وإحكام السيطرة على نواصيه، لا يتطاول على علوم الصراع، ومهارات إدارته. بأدوات العلم فقط، يُستشرَفُ ألواقع وامتداداته وتجلياته. ومن ثم توظيف برامج قطعية الوضوح، دونما عبث أو خلل أو تشتيت أو غموض، ناتج عن مغامرات نَوَّاسةٍ مُضطربِة .

بالقطع ، كل الاستحماراتِ المُعاصرة، لن توصل أحدا، إلاَّ إلى الندبِ واللَّطم . وساعتها لا يصح فيهم إلا قول مُصيِّفَةِ غورِ الأردن: لا صِيف صيَّفَتْ، ولا شَرَفها بقي لها .

دائما، لا عزاء للأغبياء ولا للحمقى .

للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا 
tF اشترك في حسابنا على فيسبوك وتويتر لمتابعة أهم الأخبار العربية والدولية
تعليقات الفيس بوك
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...