د. سمير محمد أيوب يكتب: حكاية بِرٍّ

0

يقول طبيبٌ: دخل علي في العيادة رجل في الستينات من عمره ، بصحبة أبنه الثلاثيني. لاحظت حرص الابن الزائد على أبيه، يُمسك يده . ويُصلح له هندامه . بعد سؤالي عن المشكلة الصحية ، وطلب الفحوصات ، سألته عن حالته العقلية ، لأنّ تصرفات الأب لم تكن موزونة ، ولا ردوده على أسئلتي .

فـقال الابن : أبي مُعاقٌ عقلياً .

تَملكني الفضول فـسألته : فـمن يرعاه إذن ؟

قال الشاب : أنا .

قلت : بارك الله بك . ولكن ، من يهتم بنظافة بدنه وملابسه ؟

قال : أنا .

قلت : ولم لا تُحضِر له خادمة ترعاه بدلا منك ؟

قال : لأن أبي مِسكينٌ كطفل لا يشتكي . وأخاف أن تُؤذيه الخادمة أو أن تقصِّرَ في خدمته .

اندهشت من مقدار برِّه لوالده فسألته : وهل أنت مُتزوج ؟

قال : نعم الحمد لله ، ولدي أطفال .

قلت : إذن زوجتك ترعى أباك ؟

قال : زوجتي لا تُقصّر أبدا . فهي تطهو طعامه وتُقدمه له . وقد أحضرتُ لزوجتي خادمة لتُعينَها . ولكني أحرص على الأكل مع والدي ، لأطمئن عليه ، فهو يشكو من ارتفاع السكر .

زاد إعجابي بالشاب . وحبستُ دمعي . واختلست نظرة إلى أظافر الأب ، فرأيتها مشذبة مهذبة ونظيفة .

نظر الأب لـولده وقال : متى تشتري لي شيبس ؟

قال الابن : أبشر يا والدي ، هالحين نروح للبقالة .

فرح الأب كثيرا وقال : هالحين ؟

ألتفت الابن إلي وقال : إني أفرح لفرحه كأنة ولدي .

شاغلت نفسي في أوراق الملف حتى لا يبدو ما أنا فيه من تأثر ،وسألت : أما عنده أبناء غيرك ؟

قال : أنا وحيده ، لأن الوالدة طلقته بعد شهر من زواج كنت أنا ثمرته الوحيدة .

قلت : أجل ربـّتك أمك ؟

قال : لا ، فقد تزوجت أمي بعد ولادتي ، ورحلت مع زوجها الجديد إلى بلد آخر . جدتي لأبي كانت ترعاني وترعاه . وتوفت . الله يرحمها وعمري عشر سنوات .

قلت : هل تذكر أن كان أبوك قد رعاك في مرض ، أو أهتم فيك ؟ أو فرح لفرحك ، أو حزن لحزنك؟

قال الابن : يا دكتور أبي رجل مسكين ، من عمري عشر سنين ، وأنا خادمه الأمين . أخاف عليه وأرعاه .

كتبت الوصفة ، وشرحت له الدواء . أمسك بيد أبيه ، وقال : هيا يا أبي إلى البقالة .

ما أن خرجوا من العيادة ، قلت للممرضة : أحتاج للرّاحة . بكيت

من كل قلبي . وقلت لنفسي : هذا البر بأبٍ ، لم يكن قد بذل لولده ما يبذل الآباء عادة من عناء لتربية أبنائهم . فقط لأنه والده وان لم يربه ، ولم يسهر الليالي ، ولم يدرسه ، ولم يتألم لألمه ، ولم يبك لبكائه ، لم يجافه النوم خوفا عليه , لم ولم ، ومع كل ذلك ، يقدم كل هذا البر لأبيه !!!

فـهل سنفعل بأمهاتنا وبآبائنا الأصحاء ، مثلما فعل هذا الابن البارُّ بأبيه المعاق عقليـًّا

انشروها.علها توقظ قلبا عاقَّا … وكل عام وانتم بخير

 للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا

 

tF اشترك في حسابنا على فيسبوك وتويتر لمتابعة أهم الأخبار العربية والدولية
تعليقات الفيس بوك
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...