د. سمير محمد أيوب يكتب: أصل الحكاية

في باحة جامعة اليرموك الربداوية في شمال الأردن، قبل أيام، تقدم مني حفيدي الدارس لعلوم السياسة فيها، وقال بفرح مقدما لي باقة من زميلاته وزملائه الطلبة، كانوا برفقته: هذه زميلتنا دلال سورية من فلسطين، والعباس هذا أخ عراقي من سورية، أما إلياس هذا فهو من جبل العرب في سورية، أما خديجتنا هذه، فهي لبنانية من سورية هي الأخرى، وأنا كما علمتني أردني من بلاد الشام مثلهم. كلنا كما ترى يا جدي، نعتز وبحب، أننا عرب من هنا، من سوريا الكبرى .

قلت وروحي تضمهم باعتزاز: ( بلاد الشام حتى في زمن الانحدار العربي العام، ليست دولة أو حيزا جغرافيا فقط، بل قصة تعاش ولا تقال أو تروى، تتناقلها الأجيال لا من خلال أعلام أو أناشيد، بل بصمات حضارية منقوشة على وجه الزمان وقلب المكان .

قالت خديجة: ولكن يا شيخنا، أوليس من الشذوذ أن تعشق مكانا محددا أو تاريخا ما، فقط لأنه جزء من ذكرى جميلة تغزو روحك ؟

قلت: ليس عيبا إن كانت بلاد الشام هي أصل الحكاية،  لبلاد الشام  كيمياء لا تسمح لأي عاق سياسي،  الإمعان في العنصرة، أو التشظي والتحوصل في قطرية ضيقة مقيتة. سورية الكبرى قصة سرمدية، مليئة بالرموز والسحر والغموض، لا تبوح بكل مكنوناتها مرة واحدة،  وكل من حاول مقاربتها، أدرك أن لا بداية لسورية، ولا نهاية لها .

سال علي: أتشكو مواطن الهلال الخصيب تقصيرا في حبنا لها ؟ أسوريانا في ظل ما نعيش من انحدار، بحاجة لمن يحبها أكثر ؟

قلت وأنا أرخي ذراعي الأيسر على كتفه لأدنيه مني، ومتواصلا مع عيونهم: لا يا ولدي، فبلاد الشام قد بلغت من الحظوة درجة، أن كل محب لها أنى توجه، سيجدها باقية في قلب الزمان، وفي الواقع ماثلة، وفي الأمل حاضرة، لا اعلم بلدا، قد بلغت بالحضارة، ما بلغت بلاد الشام، أوصلتها إلى مراقي المجد وذروة الشرف في الأرض .

حتى قيل: أن كل محب للطبيعة، سيستوطنه جمالها الصارخ، وهو يطل على جدران المدينة الوردية في البترا، التي نقشت في الصخر قبل 3000 سنة، أو في شموخ سور عكا، حيث هزم نابليون، أو في بقايا تدمر أو بابل أو بعلبك وغيرها الكثير .

ومن كان من عشاق الحضارات، سيجد بعض أجزاء هذه القصة في كل حضارة عاشت فيها وعبرتها . وسيعلم ساعتها أنها كانت المهد لأول أبجدية وجدت في التاريخ . وفي ثناياها سيجد باقات من العلماء كابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية في عام 1242 .

والفرح يتراقص على قسمات وجهي، وفي نبرات صوتي أكملت: ومن عنده شغف بالإيمان، سيعلم مما ترويه له أجراس الكنائس في بيت لحم، وتكبيرات قباب بيت المقدس، إننا في بلاد الشام،  مسلمون منذ أكثر من 1440 سنة، ومسيحيون منذ 2020 سنة، ولكن الأهم أننا سوريون منذ حوالي 7000 سنة . قصة سوريا وان لم تبدأ بولادة العديد من الأنبياء الذين عاشوا فيها أو عبروها ، إلا أنها في نبوءة كل نبي، وفي كل صلاة، وكل لحظة قرب من الله سبحانه  .

أما إلياس، فقد استأذنهم ليسألني باسمهم جميعا: كيف نخرج من سجن قطرياتنا الضيقة والسلبية، إلى رحاب هويتنا الوطنية .

قلت: بالخروج الايجابي، مما اقترفه بحقكم سايكس بيكو وبعض تابعيه من المتصهينين، إلى غيطان عروبة  بلاد الشام، محوطين بنسائم مشبعة برذاذ  أنهر دجلة والفرات، والعاصي والأردن واليرموك، ونهرالعوجا في فلسطين والليطاني في لبنان . أطلقوا العنان لأرواحكم، وارقصوا عشقا مع مطر الخير، تحت ضوء القمر، وعلى سحر أنغام أول نوتة موسيقية خالدة في التاريخ، وجدت محفورة على لوح طيني في اوغاريت، أبدعها قبل 3400 سنة  روح ذاك السوري العظيم، قبل الكثير من عباقرة الموسيقى في العالم.

من أين نبدأ يا جدي ؟

أفقلت ونحن نتوجه إلى المقصف: وانتم تعملون من أجل مستقبل أفضل، لتكن لكم يا شباب، الجرأة على استخدام عقولكم، للتعرف على ما في أرواحكم من الحان لم تؤلف بعد، والكثير من القصائد التي لم تنظم بعد . بلادكم تعج بالكثير من الأمنيات التي لم تتحقق، والكثير من الدعوات التي لم تستجب بعد، ولن تستجب إلا بتحرير عقولكم من غيبياتها وسلبياتها .

سوريانا العظيمة بوابة العروبة الإنسانية، تستحق الحياة وتليق بها .  فهي هوية ثانية لكل مثقف إنسان ، بالإضافة إلى هوية أمته الأصلية .

للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا
tF اشترك في حسابنا على فيسبوك وتويتر لمتابعة أهم الأخبار العربية والدولية
تعليقات الفيس بوك
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...