حسين منصور يكتب: الأمة الواحدة..تاريخ للحضارة

من قبيل السخافة الدورية إثارة مسألة تهنئة المصريين المسلمين للمصريين المسيحيين في أعياد المسيحيين الدينية على شأن التحريم أو الإجازة وهو أمر مخجل وادانة بالغة لسلامة عقولنا ونفوسنا …إدانة كاملة للعصر الذي نعيشه وهى ايضا كاشفة لحجم النجاح الذي أحرزته دعايات التهوس والتطرف والمتاجرة بالدين … وحجم أثر الدعايات الوهابية في إعادة تشكيل البنية النفسية والذهنية لطوابير الهجرة النفطية الممتدة لأكثر من نصف قرن!!

ليس جديدا في بلادنا تجاور الاختلاف العقائدي والديني. فهذا تراث مصري نسجه المصريون معا منذ أيام الفراعنة ثم في عهود الاحتلال اليوناني ثم الروماني، وانصهر البطالمة لعبادة إيزيس وتجاور المصري بديانته المصرية القديمة مع المصري الذي آمن بالمسيحية، وواجها معًا عسف الرومان …وتجاور كذلك المصري الذي دخل الاسلام مع المصري المسيحي، وتشاركا في دفع الضرائب الباهظة في ظل حكم الولاة والأسر المختلفة وصولاً للسلب المملوكي، ثم النهب العثماني … ثم كان اختيار محمد على وإطلالة مصر على نافذة الدنيا.

تكون الجيش المصري وقاده إبراهيم من نصر الى نصر ودق ابواب الاستانة وحارب المصريون في المكسيك وفى أعالي النيل وتشكل الوجدان الوطني الجامع، وتطلع المصريون الى حقوقهم الكاملة في المواطنة وصناعة القرار والمستقبل، وشكل عرابي الحزب الوطني الأول في سبتمبر 1879 وجاء فى بيان تأسيسه انه حزب سياسي لا ديني، مؤلف من رجال مختلفي الاعتقاد والمذهب وجميع النصارى واليهود، ومن يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها منضم لهذا الحزب، فإنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات ويعلم أن الجميع إخوان، وحقوقهم في السياسة والشرائع متساوية… وتعانق الهلال مع الصليب في ثورة المصريين في 19 سعياً للاستقلال الوطني في مواجهة الانجليز وسيادة الأمة والشعب في مواجهة السراي، وتقدم الوطني يوسف عريان المسيحي للتخلص من يوسف وهبة الذي قبل تشكيل الوزارة حين دعا الوفد لمقاطعة تشكيلها … واجتمع القبط في الكاتدرائية الكبرى في كلوت بك لإعلان إدانتهم ليوسف وهبة وذهب عبد الرحمن فهمي رئيس اللجنة المركزية للوفد، وخطب قائلا إذا كان الأقباط يدينون واحدا قبل تشكيل الوزارة فإن هناك سبعة من المسلمين قد قبلوا مشاركته في الخروج على إجماع الأمة .. تلك هي مصر المتحدة الأمة الواحدة  التي تخطو وتخط طريق الحضارة ومعاني المواطنة والقانون وقبول الآخر.

فليس مفهوما على الإطلاق أن نجد نقاشا سخيفا يتطرق لما قاله ابن باز مفتى الوهابية أن هذا لا يجوز، تهنئة الكفَّار بأعيادهم مُشافهةً، أومن طريق الهاتف – التليفون- أو بأوراقٍ تُطبع، كل هذا منكر لا يجوز من المسلم.. ويقول ابن عثيمين إن تهنئة الكفار بالكريسماس وغيره من الأعياد الدينة حرام بالاتفاق كما قال الشيخ ابن القيم … كل هذا الحديث هو من قبيل مجافاة الفطرة الإنسانية والبداهات الأخلاقية وحسن المعاملة والإخاء والتجاور ولم يتطرق الإسلام له من قريب أو بعيد، ألم يسمح بالزواج من الكتابية التي هي سوف تكون أماً لأبناء تلك الأسرة…. ألم يحل طعامهم وشرابهم- “وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم”  المائدة 5 – وما يستتبعه هذا من تبادل للزيارات والمودة والعلاقات الإنسانية، فليس مقبولا على الإطلاق سيادة وترويج ما هو مناف لصحيح الدين ومفهوم بالبداهة والعقل السليم لحساب أقوال بالغة التطرف والقسوة وخاضعة لتجارب شاذة في ظرف مختلف قد عايشه ابن تيمية، ونقله عنه ابن القيم ويأتى ابن باز بعد ستة قرون ليعيد ترويجه مدعوما بالآلة الإعلامية لتيارات الدين السياسي لإعادة تشكيل بنية التعصب والكراهية، ونشرها فى مواجهة التسامح والإخاء والتعايش السلمي واللحمة الوطنية ومعنى المواطنة الذي لا يعترفون به.

ولا نعلم متى تتحرك الحكومة بإمكاناتها وأدوارها عبر المناهج التعليمية بالمدارس بمختلف مراحلها وإعداد المدرس والقدوة المؤثرة في الأجيال الصاعدة والمسئول المؤمن بالمواطنة والحقوق الواجبات للجميع في كل موقع مسئولية في جهازنا الحكومي العتيد وعبر الآلة الإعلامية المتخصصة في الحديث عن الأحزاب الكرتونية وهدم الحزبية، فتتجه نحو دورها الواجب والضرورة في حماية الوطن وبنيته وسلامته عبر تجسيد تاريخنا الطويل في عصوره المختلفة لمعاني اللحمة الوطنية والتجاور والتضحية والمحبة عبر أعمال تصل إلى القلوب والعقول مباشرة …عيد ميلاد مجيد على كل المصريين بالخير والمحبة والتقدم والسلام.

نائب رئيس حزب الوفد

للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا

t –  F اشترك في حسابنا على فيسبوك وتويتر لمتابعة أهم الأخبار العربية والدولية

تعليقات الفيس بوك
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...