أسامة عبد الكريم يكتب: عزيزي المسئول الإنسان.. شكرًا

0
المواقف تكشف ما تكنه الصدور وتجلي حقيقة الإنسان، وهذا ما يفرق بين الشخص السوي ابن الأصول الذي يصعب تغير معدنه بتغير وضعه الاجتماعي أو المادي، وبين محدث النعمة الذي عادة ما يصل إلى منصبه بالحظ أو التسلق.

أود أن أخبركم عن موقف إنساني من مسئول كبير بوزارة التربية والتعليم لكوني شاهدًا عليه من البداية باعتباري وسيط لإيصال المشكلة للمسئول في الوزارة بعد تقصير المسئولين في الإدارة والمحافظة، ولم يكن هدفي الإيذاء مطلقًا وإنما إنهاء المشكلة ورفع الظلم عن معلمة أنهكها المرض وجار عليها الزمن.

بمجرد علم المسئول في الوزارة بالمشكلة، كلّف أحد العاملين معه بالذهاب إلى المديرية للوقوف على المشكلة الحائرة بين المديرية والإدارة، وفي النهاية توصلنا لبداية الخيط في الأزمة، بعد العثور على الملف الضائع أخيرا.

العثور على الملف كان البداية لحل المشكلة، لكن تقاعس الموظفين أجّل حل الموضوع لمدة ثلاثة شهور اضطررت للتواصل مرة ثانية مع المسئول الذي ظن أن المشكلة قد انتهت بوجود الملف، إلا أنه فوجئ عندما التقيته بأن المشكلة لم تحل وتأزمت بسبب اشتداد المرض على صاحب المشكلة وإرهاقه نفسيًا وماديًا.

وعدني المسئول – الذي أكنّ له كل الاحترام على المستوى الشخصي وزاد احترامي له بسبب مواقف مشابهة أثبت فيها حرصه على نصرة المظلوم- بالذهاب بنفسه لحل المشكلة واستدعاء جميع الأطراف “مديرية + إدارة + ممثل لصاحب المشكلة)، وحدد الموعد باليوم والتاريخ والساعة.

جاء الموعد المحدد سلفًا، فكان المسئول أول الحاضرين، وعلمت انه حضر في وقت مبكر، وانتظر نحو 10 دقائق، فحادثني في التليفون بنبرة صوت غاضبة، وعندما وصلت عرفت سبب غضبه. . فقد رأى الموظفين يتعاملون بشيء من اللامبالاة، ولم يكونوا يتوقعون أن يأتي إليهم مسئول كبير بالوزارة لحل مشكلة «حتة» موظف – حسب ظنهم-

اللامبالاة و«تكبير الدماغ» ظل مستمرا، فعندما وصلت قلت  للموظف: «المسئول الفلاني بالوزارة جه ومشى بسبب الموضوع دا»، قابل كلامي برد في قمة الاستعلاء: «مسئول مين .. بلاش الشويتين دول»، وعندما احتديت في الكلام، كان الرد :«ليس لك صفة في هذا الأمر»، لم تمر دقائق حتى تلقى اتصالا هاتفيا من  الوزارة :«الموضوع الفلاني متحلش ليه».. هنا تغيرت طريقة الكلام والمعاملة.

المكالمة الهاتفية، بدلت حال كبيرة الموظفين في تلك الإدارة، واختفت نبرة الاستعلاء وتحولت اللامبالاة إلى جدية، وتحول موظفي المكتب لخلية نحل، وتسابقوا و«وقفوا على رؤوسهم»، لإنهاء مشكلة مهملة منذ ما يزيد عن عام في حين أنها استغرقت للحل ما يقل عن نصف ساعة.

المكالمات الهاتفية لم تتوقف، وألزمت كبيرة الموظفين، بالذهاب للوزارة لتوضيح الموقف بالكامل في صورة اعتذار عما حدث، عندما وصلنا ظللنا نبحث عن المسئول واستغرقنا وقتا كبيرا حتى وصلنا له، ليعرض جميع الأطراف المشكلة عليه وبعدها استمع لنجل صاحبة المشكلة، وتبادل معه أرقام الهواتف وقال له: « هنتظر منك مكالمة بانتهاء المشكلة».

وقال في كلامه للمسئولين: «إننا جميعا زملاء وقد نتعرض لمثل هذا الموقف أو أصعب، فلا بد أن يكون قلبنا على بعض»، ولم يسمح بسماع مبررات من مسئولي المديرية والإدارة، وكان رده القاطع:«هستنى تليفون بانتهاء الأزمة».

هذا الموقف، شبه المتكرر، زرع في نفسي حديقة أمل وبستان من التفاؤل، وكان عوضًا عن مشاهد مخزية لمسئولين، قابضين على الكرسي واعتبروا المنصب وجاهة وتشريفًا وليس مسئولية وتكليفا.

شكرًا لمن لم يغتر بمنصبه وماله ونفوذه. . شكرًا لمن ظل راسخاً متمسكًا بأصوله وقيمه ومبادئه.. شكرًا لمن لم يبدله الزمان ولم يغيره المكان..  شكرًا لأولاد الأصول.. شكرًا لمن يغرسوا فينا الأمل.. شكرًا دكتور محمد عمر، نائب وزير التعليم لشئون المعلمين.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...
Share This