أحمد عناني يكتب: الهجرة النبوية رمز السلام والتسامح والقيم الإنسانية النبيلة

ذكرى هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مناسبة كريمة، قبل ألف وأربعمائة وأربعون عاما، كانت هجرته صلى الله عليه وسلم بداية حضارة عظيمة للبشرية، إذ عززت القيم الإنسانية، ورسخت أسس التسامح والتعايش، فقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، بعد أن نزل عليه قول الله سبحانه وتعالي، « وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ».

ففرح الناس بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، فرحة عامرة، قال أنس رضى الله عنه، لما كان اليوم الذي دخل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء منها كل شيء، وكان السلام، أول ما دعا إليه الرسول، فقال عبد الله بن سلام رضى الله عنه، لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كان أول شيء تكلم به، أن قال يا أيها الناس أفشو السلام، فكان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسلام، لان الله تعالى يحب السلام، وهو سبحانه السلام، ويريد لعباده أن يعيشوا في سلام ووئام، فبالسلام تبنى الحضارات، ويتحقق الازدهار في المجتمعات.

وبث النبي صلى الله عليه وسلم المحبة بين أهل المدينة، فألف الله تعالى بين قلوبهم، قال عز وجل «وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »، وآخى بين المهاجرين من مكة والمسلمين من أهل المدينة، الذين قال الله تعالى عنهم «الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».

وفى المدينة المنورة كتب الرسول صلى الله عليه وسلم وثيقة تاريخية، دعت إلى التعايش بين المسلمين وغير المسلمين، ونصت على إقامة العدل ودفع الظلم، فجاء فيها «وأن المؤمنين المتقين على من بغي منهم…وأن النصر للمظلوم»، وهذا ما قامت عليه الشرائع والأديان، وأمر الله تعالي به في القرآن فقال سبحانه «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»، وقرر النبي في وثيقة المدينة حق أهلها أن ينعموا بالاستقرار والحرية، على اختلاف عرقهم ودينهم ولغتهم، فكان مما جاء في الوثيقة «أنه من خرج بالمدينة أمن ومن قعد بالمدينة أمن، فعاش أهل المدينة كافة من مسلمين وغير مسلمين في أمان واطمئنان فما أحوج العالم اليوم للعمل بهذه الوثيقة، وتنفيذ بنودها، فإنها تحفظ الحقوق، وتحدد الواجبات».

وأتم الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بناء صرح القيم والأخلاق وقال «خير الناس أنفعهم للناس».

حتى غدا مجتمع المدينة في تعاونه وتلاحمه، ومحبته وتراحمه، كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأنطلق يبنى حضارة.

كما اعتني النبي في المدينة المنورة ببناء الإنسان فقد أهتم بتشييد العمران، فحين وصل النبي أطراف المدينة، بدأ مسيرة البناء ألحضاري، فأسس الرسول هنالك مسجد قباء، أول مسجد بني في الإسلام الذي أثنى الله تعالى عليه وعلى أهله فقال سبحانه وتعالي،«لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ».

ثم بني صلى الله عليه وسلم المسجد النبوي الشريف ونظم عمران المدينة، وخط دورها، وشق طرقها وشوارعها، بعد أن كانت واحات متفرقة في سهل فسيح، وأراد صلى الله عليه وسلم أن تكون المدينة  المنورة بيئتها نظيفة، فحث المجتمع على إماطة الأذى عن الطرقات، والعناية بنظافة البيوت .

كما عمل النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه إلى المدينة المنورة على زيادة إنتاجها ونمو نجارتها وازدهار اقتصادها، والأخذ بأسباب رفعتها، فدعا صلى الله عليه وسلم أبناء مجتمعه إلى العمل، وحثهم على زراعة أراضيهم، والاستفادة من خيرها، فحين رأى امرأة تعمل في بستان لها قال لها « لا يغرس مسلما غرسا، ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة»، ودعا صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل أن يبارك في رزق المدينة، وكسب أهلها فقال «اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومدهم»، فعمهم الخير، وأصبحت المدينة سوقا للتجارة، وأضحت تجارة أهلها تجوب البلاد شرقا وغربا، وفى ذلك كله دروس وعبر لمن أراد أن يقتدي بخير البشر.

إن الهجرة الحقيقة هي ترك ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، فقال رسول الله تعالى «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، فأصل الهجرة ، هجران الشر والبعد عنه، وطلب الخير ومحبته، وذلك من حميد الأخلاق التي أرسل الله تعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارمها، قال صلى الله عليه وسلم » إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ومنها التسامح والمحبة، والتعايش والمودة، وبذل السلام لجميع الأنام، فهي قيم إنسانية نبيلة، ظهرت جلية واضحة في الهجرة النبوية الشريفة.

الهجرة كانت بداية الطريق، لنشر الإسلام والأمن والأمان وقيم العدل والمساواة في كل أرجاء العالم، انطلقت من الأرض المقدسة بالمملكة العربية السعودية، مهبط الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي وضع أسس الحضارة الإسلامية العظيمة.

للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل...
Share This